“أنا أيضًا إنسانة”: حين يتعب قلب العاطية في زمن الحرب

“أنا أيضًا إنسانة”: حين يتعب قلب العاطية في زمن الحرب
بقلم د. مدلين سهواني سارة أخصائية تربية ومستشارة نفسية مسيحية
في زمن الحروب، لا يُقصف الحجر ولا تسقط المباني، ولا تُفقد الأرواح فقط… بل تُصاب النفوس أيضًا، حتى لو لم تكن هي في عين العاصفة. فلسنا بحاجة إلى أن نُهجَّر أو نخسر بيتًا، أو نفقد حبيبًا أو عزيزًا لنُصاب، إذ يكفي أن نكون شهودًا دائمين على الألم، عبر القصص، الأخبار، أو جلسات الاستشارة والإصغاء، لنحمل آثار الصدمة معنا في صمت.
نحن النساء اللواتي في الخطوط الخلفية، لا نحمل الأسلحة، بل القلوب. نصغي، نطبطب، نحتوي، نحتضن، نُرشد، نُعزّي… نرافق. نُطمئن من حولنا أن الأمور ستتحسّن، نحارب اليأس عنهم، ونقاومه لئلّا يتغلغل إلينا، رغم أن داخلنا أحيانًا على حافة الانهيار. نصمد نسكت ونكمل.
فهي فعلاً الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أن المُعطية أيضًا تتعب.
المستشارة، الراعية، المعالِجة، حتى الأم والرفيقة… لسن بطلات خارقات.
بل إنهن، غالبًا، الضحايا الخفيات للدمار النفسي.
ما يتعرضن له يُصنّف نفسيًا بـ:
- الصدمة الثانوية (Secondary Trauma)
- الإجهاد التعاطفي (Compassion Fatigue)
- الاحتراق النفسي (Burnout)
ولعلكِ تعانين من الإجهاد التعاطفي أو الصدمة الثانوية وأنتِ لا تدركين. هل تعانين من أعراض مثل:
• اضطرابات في النوم، تعب جسدي ونفسي؟
• الإحساس بالخدر، أو الانفصال العاطفي؟
• تراجع في الدافعية، وتضاؤل الإحساس بالمعنى؟
• قلق مزمن، اكتئاب، ومشاكل صحية متكررة (مثل الصداع، اضطرابات الجهاز الهضمي، وآلام مزمنة، كوابيس، انفعالات مفاجئة، ذكريات اقتحامية (Flashbacks))؟
قد تكون هذه استجابة عاطفية ونفسية تنشأ نتيجة الانكشاف المتكرر على معاناة أو روايات صادمة من الآخرين، دون أن تكوني أنتِ الضحية المباشرة. وهي أعراض تشابه أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) ومن منّا لم تتعرض لهذه الروايات خلال السنتين الماضيتين؟
لماذا يحدث هذا لنا نحن بالذات؟
لأننا نحب، ونتعاطف، ونرافق. لكن مع الوقت، يتحول الحِمل النفسي إلى استنزاف عاطفي دائم.
والذي يحصل هو أننا عندما نفتقر إلى أدوات الحماية النفسية، تبدأ الحدود بالتآكل، ويحدث ما يُعرف بـ الاحتراق النفسي :(Burnout) وهو حالة من الإجهاد المزمن المرتبط بالعمل العاطفي الكثيف، ويتجلى بالشعور بالتعب المستمر، البرود، فقدان الشغف، والرغبة في الانسحاب.
ولماذا يحدث لنا؟
الحقيقة أننا تربّينا على أن نُرضي الآخرين. مجتمعنا يركّز على “الناس شو راح تحكي؟”، مما يُنتج منا أفرادًا مفرطي التوجه إلى الآخر.
ثقافتنا بارعة في التقدير المشروط، أن نُحَب فقط إن كنا نُعطي، في المقارنات، وفي محاولات مستمرة لنَيل استحقاق الحب.
فنَشأنا ونحن نُحمّل أنفسنا فوق طاقتنا. لا يجوز أن نفكّر بأنفسنا ولا أن نبتعد وهم في عوز وحاجة إلينا، فنكبر على “التضحية المطلقة”، أن نعطي ونُعطي ونصمت، وأن يكون صوت الآخر أعلى من صوتنا… أن نُشفق على الجميع وننسى أنفسنا.
وخاصة كل من هنّ في أدوار: الأخصائيات النفسيات، المستشارات، المساعدات الاجتماعيات، العاملات مع اللاجئين أو ضحايا الحرب، الخادمات والراعيات، وحتى الصديقات أو القريبات اللواتي يستمعن باستمرار لقصص صعبة ومؤلمة.
فقد نطوّر دور “المنقذة” (The Rescuer Role)، وهو أبرز ما يُوقعنا في هذا التآكل، وهو مصطلح معروف في نموذج “مثلث كاربمان الدرامي” (Karpman Drama Triangle).
وفيه:
• نشعر بمسؤولية مفرطة لحل مشكلات الآخرين.
• نمنح الدعم حتى على حساب صحتنا.
• نعتبر أنفسنا ملجأ الجميع… بينما نتجاهل حاجاتنا.
هذا الدور ليس نُبلًا دائمًا، بل يُخفي شعورًا عميقًا بعدم القيمة، أو الخوف من الرفض، أو رغبة غير واعية في التحكّم.
انتبهي، عزيزتي، لئلّا تفقدي نفسكِ.
لا تتجاهلي إشارات جسدكِ… لا تغلقي أذنيكِ عن صوتكِ الداخلي… ولا تُصدّقي أنكِ إن توقفتِ عن العطاء، لن تُحبي بعد الآن.
فالاهتمام بالذات ليس أنانية… بل صيانة ضرورية جدًا.
والتوقف المؤقت ليس انسحابًا… بل شحنٌ جديد.
لكن، كيف أحمي نفسي من الصدمة الثانوية والإجهاد التعاطفي (Compassion Fatigue)؟
- الاعتراف بالمشاعر دون خجل
• “أنا مرهقة… ومن الطبيعي أن أقولها وأعترف بها.”
• “تأثّري لا ينفي احترافيتي، بل يدلّ على إنسانيّتي.” - وضع حدود نفسية وعاطفية واضحة
• “أنا أرافق، لكنني لا أصلح العالم.”
• “أنا أتعاطف، لكنني لن أذوب.” - استخدام تقنيات الوقاية النفسية
• تنفّس عميق، مشي هادئ، كتابة تأملية، دفاتر مشاعر.
• تمرين: توقّفي – خذي نفسًا – لاحظي – قرّري. - طلب الدعم دون خجل
• إشراف مهني أو جلسات تفريغ (Supervision & Debriefing).
• مشاركة ما تشعرين به مع صديقة أو زميلة موثوقة. - رعاية ذاتية منتظمة
• غذاء، نوم، رياضة، وقت خاص، علاقة روحية داعمة، أنشطة تُعيد الشغف (رسم، زراعة، عزف، طلاء…).
في الفترة الماضية، بعد انتهاء الحرب في منطقتنا، وجدتُ نفسي أُردّد بعض الجمل مع شريكي:
“أنا أيضًا أحتاج حضنًا، لا مَن أُحضنه فقط.”
“لستُ آلة تعطي بلا انقطاع… بل إنسانة، تتأثر، وتحتاج.”
“أحتاج أن أعتني بنفسي، ولن أفقد رسالتي، بل حفاظًا عليها حيّة.”
وقد طلبتُ منه يومين نبتعد فيهما ونكون لوحدنا ليعتني بي، وقد نجحنا.
هل كان كافيًا؟ لربما لا… لكن ساعدوني واحتووني.
من فضلك لا تنسي نفسك!
في قلب كلٍّ منّا، كخادمات ومستشارات ومعالجات وأمهات وصديقات، ألم لا يُرى…
احتراقٌ داخلي لا يُعبَّر عنه دائمًا بالكلمات، بل يُعاش بصمت.
تمامًا كما اختبر الرسول بولس حين قال:
“مَن يَضعف وأنا لا أضعف؟ مَن يُعثر وأنا لا ألتهب؟” ٢ كورنثوس ١١: ٢٩
هذه العبارة تُعد إعلانًا صادقًا عن طبيعة الخدمة الحقيقية.
فبولس، وهو الرسول الجبّار، يكشف هنا هشاشته العاطفية وقدرته على التأثّر العميق بضعف الآخرين وتعثّرهم.
لم يفصل نفسه عن شعبه، ولم يكن قائدًا فوق الألم، بل دخل في الضعف الجماعي.
اختار أن يشعر معهم، لا من باب الضعف النفسي، بل تعاطفًا، وكأن ضعفات الآخرين أصبحت أيضًا ضعفه – من قوّة الرحمة، وحرارة المحبة، وعمق الدعوة.
فنجاح خدمتنا ورعايتنا يُقيَّم أيضًا بقدر إمكانيّتنا للدخول إلى وجدان وضعف من نشاركهم رحلة آلامهم وتعافيهم.
عندما نتأثّر نحن كمستشارات أو راعيات أو خادمات، عندما نضعف بسبب الإصغاء المتواصل، أو نُستنزف من مرافقة المتألمين، لنتذكّر: هذا ليس نقصًا…
بل هو جزء من دعوتنا. هو التهام داخلي مصدره الحب، والغيرة الروحية، ومدى التصاقنا بمن نخدمهم.
لكن حتى بولس نفسه لم يحتمل دون نعمة، فهو الذي قال لاحقًا:
“تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ” ٢ كورنثوس ١٢: ٩
فلنلتصق نحن أيضًا بالمسيح الراعي، الذي يحمل أسقامنا ويتحمّل أوجاعنا،
ونضع حدودنا بمحبة، لا بقسوة،
ونثق أن الله يرى تعب قلوبنا المشتعلة، وسيسندنا… لأنه معنا في هذا الطريق.
فتذكّري،
أنتِ لستِ وحدكِ.
أنتِ لستِ ضعيفة… بل مُرهَقة. والفرق كبير.
اجلسي… تنفّسي… اكتبي… ابكي… صلّي…
ثم انهضي…
لكن لا تنسي نفسكِ مرة أخرى.
التعاطف نعمة…
والتماسك حكمة…
فوازني بينهما.

