عندما يصير الوطن جرحًا: ملامح الحياة النفسية في فلسطين اليوم

عندما يصير الوطن جرحًا: ملامح الحياة النفسية في فلسطين اليوم
بقلم د. لانا عماد زغبي أبو عيطة
حاصلة على دكتوراه في التربية الخاصة، وتشغل منصب مديرة جمعية يميمة للأشخاص ذوي الإعاقة.
في زمن الحرب، يعيش المجتمع الفلسطيني حالة من التوتر والقلق العميق. يشعر الناس بالغضب وعدم الأمان، كأنّ حياتهم مهددة في كل لحظة، ويعيشون في ظل حالة مستمرة من عدم الاستقرار. كل يوم يمر يجعلنا نشعر بأننا بلا هدف، وكأنّ جرس إنذار دائم يرنّ في أذهاننا، يرفع من وتيرة توترنا وانفعالاتنا، ويجعلنا عاجزين عن السيطرة على مشاعرنا وآلامنا.
مشاهد الدمار التي نراها يوميًا من صور وفيديوهات تزيد من ألمنا وغضبنا وحزننا، فنشعر بأن وطننا لم يعد يحتضن أحلامنا أو حتى مشاعرنا الإنسانية. رغم هذا كله، نتمسك بأرضنا، لكن الصراع الداخلي مستمر، لأننا نشعر وكأننا في دوامة من الفوضى، لا نعلم إلى أين ستقودنا هذه الحرب، أو أين سيكون مصيرنا.
في المجتمع الفلسطيني، يتفاعل الناس بطرق متنوعة تعكس تأثير الضغوط النفسية والظروف القاسية التي يعيشونها. يعاني الكثيرون من خوف وقلق مستمرين على حياتهم وحياة أحبائهم، مما يسبب توترًا نفسيًا وصعوبة في التركيز والنوم. في المقابل، يحاول البعض التكيف مع الواقع الجديد من خلال تنظيم حياتهم اليومية والتخطيط لمواجهة التحديات قدر الإمكان، بينما يلجأ آخرون إلى الإنكار أو الهروب الذهني، متجنبين مواجهة الواقع المرير. كذلك، يعبر بعض الأشخاص عن غضبهم وتمردهم على الظلم والمعاناة، أما البعض فيفضل الانسحاب والانعزال كوسيلة لحماية النفس من الألم.
في ظل هذه الحرب، يلجأ كثيرون منا إلى الإيمان والدعم الروحي ليجدوا فيهما ملاذًا ومنبع قوة للصمود، كما يلعب التضامن المجتمعي دورًا مهمًا في تخفيف المعاناة، حيث يتكاتف الناس لدعم بعضهم نفسيًا وماديًا. بهذا الشكل، تتفاوت ردود الأفعال بين دفاع نفسي ومحاولات للتأقلم، حسب شخصية الفرد وظروفه، مما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية في ظل الحرب.
باختصار، تصرفات الناس في الحرب مزيج من الدفاع النفسي ومحاولات التأقلم مع واقع مؤلم، وتتفاوت حسب شخصية الفرد وظروفه، والقدرات التي يمتلكها لمواجهة الضغوط.
الشعب الفلسطيني يعيش تحت وطأة القهر، وفي قلوبه ألم كبير من الظلم الذي يراه يوميًا، خاصة من الجهات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان التي لا تحمي حقوقه كبشر، كما تحمي شعوبًا أخرى. يشعرون بأنهم مستبعدون من هذه القوانين، وكأن وجودهم على هذه الأرض غير معترف به، وهو شعور قاسٍ يصعب تحمله.
في ظل هذه المعاناة، يبقى السؤال الأكبر: ماذا نخبر أطفالنا؟ كيف نجيب عن تساؤلاتهم؟ الإجابة الوحيدة التي تمنحنا القوة هي التمسك بالإيمان والصمود، فهما السبيل الحقيقي للاستمرار.
وفي ظل كل هذا، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لمجتمعنا أن يجد طريقه نحو السلام والطمأنينة وسط كل هذه التحديات؟
وسط كل هذا الألم والتشتّت، تبقى النفس البشرية في فلسطين شاهدة على قدرة الإنسان العجيبة على التحمل والصمود. صحيح أن الجراح عميقة والواقع قاسٍ، لكننا لا زلنا نحمل في داخلنا جذوة حياة لا تنطفئ، وإيمانًا بأن الغد قد يكون أقل قسوة إن بقينا متماسكين. نحن شعب يتألم، نعم، لكنه أيضًا شعب يحب، ويُصلّي، ويقاوم بالأمل. لعل السلام ليس مجرد حلم بعيد، بل ثمرة لرحلة طويلة من التمسك بالحق، وتضميد النفس، وإعادة بناء ما تهدّم في الداخل قبل الخارج. وحتى يأتي ذلك اليوم، سنواصل العيش، والحب، وتربية الأمل في قلوب أبنائنا، لأننا ببساطة لا نعرف طريقًا آخر.

