المواضيع :

عندما يهتز العالم من حولكِ، اثبتي في رجائكِ

شارك المقال

عندما يهتز العالم من حولكِ، اثبتي في رجائكِ
بقلم لورديس السايح

في ظل أجواء الحرب القاسية، تتحول الحياة إلى مشهد متقن من الظلام والقلق. من أكثر اللحظات رعبًا لي كانت مشاهدتي لكسوف الحرب يحدث أمام عيني. لم يكن كسوفًا عاديًا، بل كان وكأنه وهم يتطاير أمامي، مخترقًا سلامي النفسي وجسدي وروحي. إن كسوف الحرب على أرواحنا يصبح رفيقًا مقربًا لنفوسنا، حيث يختبئ الخوف في زوايانا، ويترك أثره العميق في مسارات حياتنا. تتشكل آثاره كأطياف هاربة، نراها دون إدراك، تلك الأطياف التي تتجسد في مشاعر الاكتئاب، الصدمات، الحزن، والخوف. بعضها طويل الأمد، وكأنها نُحتت في قلوبنا، بينما البعض الآخر مزخرف بإضاءات وهمية، متظاهرة بعدم وجودها، تخدعنا لنظن أننا نستطيع تجاهلها، ومع ذلك نراها بين الزقاق المعتم.

إن مواجهة تلك الأطياف في الظلام مهمة معقدة. فالبعض منا يتجند بإطفاء مشاعره ليحمي نفسه ومن حوله، وآخرون يرتدون دروع الفرح الكئيب، محوّلين كل مشاعرهم إلى احتفالات صاخبة دون موسيقى. وهناك من يعلن ضعفه بالبكاء والصلاة، ومن يهرب من الحقيقة ليختبئ في مخدعه حتى تنقضي المحنة. وعلى الرغم من وجود إيمان راسخ فينا بالله وأعماله، فإننا نرتدي طيفًا هاربًا من قسوة هذا الكسوف. وعلى الرغم من يقيننا بقدوم النهار بعد الليل الطويل، إلا أنه لا يريح قلوبنا سوى رؤية الشمس، التي تطمئن أرواحنا بأن السلام سيتجدد مجددًا.

يؤكد لنا الكتاب المقدس أن: “النور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه” (يوحنا 1:5). هذه الكلمات تجسد حقيقة. ولكن في خضم هذا الظلام المطبق، يكون الخذلان رفيقًا بسبب عدم تغير الأحوال، وهنا تتردد في أعماقنا كلمة خالقنا الأزلية: “في العالم سيكون لكم ضيق” (يوحنا 16:33). هذه ليست حقيقة قاسية تزيدنا ألمًا، بل هي إقرار إلهي بواقع طريقنا في هذا العالم، واقعٌ عرفه وسلكه هو بنفسه. ولكنه جعل النور الحقيقي يضيء: “ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم” (يوحنا 16:33). إنه الوعد الذي يكسر قيود اليأس، إعلانٌ لانتصار أبدي على كل ظلام، فالمسيح قد قام بعد الهزيع الرابع، في أشد ساعات الليل ظلمة، ليعلن أن “النور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه” (يوحنا 1:5). هو ذاك النور الذي لا تستطيع قوة أن تطفئه، ولا ظلام أن يقهره.

إن مواجهة تلك الأطياف في الظلام مهمة معقدة. ولكن، الإيمان ليس دعوة لتجاهل الألم، بل هو دعوة لعيش الألم في حضرة من غلب الألم. فكيف لنا أن ننسى وعده الأبدي: “وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 28:20)؟ هذا ليس مجرد قول، بل هو حضور دائم يرافقنا في كل خطوة، في كل دمعة، في كل آهة.

تذكروا قصة أولئك الذين ساروا في أتون النار المتقدة، دانيال وأصحابه شدرخ وميشخ وعبدنغو. لقد أُلقوا في لهيبها، لا ليموتوا، بل ليشهدوا لمعجزة حضور الله. “فنظر الملك ورأى أربعة رجال يسيرون في وسط النار ولم يتأذوا، ومنظر الرابع شبيه بابن الآلهة” (دانيال 3:25). لم يمنع الله أن يُلقوا في النار، بل سار معهم إلى النار، ولم تحرقهم النار. هذا هو الرجاء الذي نتمسك به، هذا هو الإيمان الذي يثبت جذورنا كأشجار في العاصفة، “لأن جذورها تمتد في عمق الأرض” في وعود الله الثابتة.

لذا، دعونا لا نقمع المشاعر، بل نقدمها في الصلاة، “ملقين كل همكم عليه، لأنه هو يعتني بكم” (1 بطرس 5:7). هذه المشاعر ليست أعداء، بل هي إشارات تدعونا إلى النور. في كل مرة نشعر فيها بالخوف أو الاكتئاب، يمكننا أن نقف لانتظار شمس الرجاء التي ستسطع بعد الهزيع الرابع. فالرجاء هو ذاك الشعاع الذي يبرز في أعتم اللحظات ظلمة، هو صوت داخلي يذكرنا بأن الألم ليس نهاية القصة، وأن النور قادم مهما طال الليل.

إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية التعامل مع المشاعر دون أن تتحكم هي بنا، علينا، مدركين أن السيطرة تبدأ بيقيننا أن الله يجتاز الصعاب معنا، وأنه قد وضع لنا الرجاء في كل شيء نراه.