بقلم أمل جريس قموع

مختصة في المجال الاستشاري

أبحاث كثيرة درست ظاهرة امتناع المقبلين على الزواج عن الزواج، ويتصدر سبب “تفادي الدخول في نزاعات” لائحة الأسباب الأخرى الكثيرة، فبحسب رأيهم ليس من المجدي الاستثمار عاطفياً، وفكرياً، ومالياً في علاقات يمكن أن تنتهي عند مقابلة الصراعات والنزاعات! كلنا نعرف انه مقابل شعورنا بالرغبة عن الامتناع من الزواج خوفاً من تجريحنا في الصراعات هناك مشاعر أخرى نحتاج لأخذها بعين الاعتبار ايضاً؛ الشعور بالوحدة اذ  « لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ» وايضاً الشعور بالاشتياق المستمر اذ «إِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ…» فإننا قد جبلنا بهذه المشاعر، لنتعلم كيفية التعامل والعيش معها وليس الامتناع عنها. 

أما بالنسبة للمتزوجين الذين يتهافتون لإنهاء زواجهم تحسباً من عدم المقدرة على حل النزاع والصراع القادم. ما يُحيرني كمستشارة زوجية، هل من اجل هذا قررتم الزواج؟ هل ارتطامنا في حاجاتنا ومشاعرنا الطبيعية يفقدنا قدراتنا ومهاراتنا على الاستمرار في بناء علاقتنا الزوجية؟   

هدف هذا المقال هو أن نبدأ بتحديد نوعيات النزاع في علاقاتنا الزوجية، وأن نُدرك ماذا يحصل لنا وقت هذه النزاعات والصراعات. ولكي ما نشجع أنفسنا بأن هناك العديد من الطرق التي يمكن تبنيها لإدارة النزاعات والصراعات. 

“ليس في علاقتنا الزوجية أية مشكلة”

هل هذا القول يدل على صحية العلاقات الزوجية برأيك؟ 

لقطات من يومياتي كمستشارة زوجية، يمكن أن تعطينا فكرة عن مواضيع النزاعات والصراعات التي يأتي بها الأزواج لتلقي الاستشارة مثل: موضوع تربية الأولاد، وتقسيم المهام، وتحمل المسؤولية، وانعدام الوقت العائلي، والتقصير، والعلاقة الودية الخاصة، والمجال المادي، والعلاقات مع الأهل والأصدقاء. 

هذه المشاكل الظاهرة ليست بالضرورة هي المشكلة الجوهرية التي تعمق جذور النزاع والصراع. لنتذكر معاً أن وجود الصراع والنزاع هو شيء طبيعي. وسيكون صحي ايضاً عندما نقوم بإدارته بجديَّة ومسؤولية فردية وزوجية، لتكون النتيجة تعميق ونضوج لعلاقتنا الزوجية. 

هناك اربعة عناصر تُميِّز النزاعات:

          مدّة النزاع حتى الصلح

كميّة النزاعات

طويلة وبطيئة 

قصيرة وسريعة

مراراً 

ماء

نار

نادراً

تراب

هواء

١) النوع الأول: ماء- يتنازعون مراراً ويتصالحون بطيئاً

تنبع الخلافات في هذا النوع من النزاعات من كمية العواطف الجياشة التي تدفع الزوجين لخلق شجار يومي يستمر لساعات وأيام، وغالبًا لا ينتهي على الإطلاق بل ينتج عنه الشجار التالي. في هذا النزاع تتحول أبسط الخلافات الى دراما. وهذا يحدث بسبب تراكم شحنات ورواسب شعورية سلبية كثيرة لم يتم معالجتها بين الزوجين. تتم ترجمة أعمال كل واحد من الزوجين على أساس ضعف شعوري معين. مثلا: يتم ترجمة العمل “لم ي\ ترسل لي رسالة” على أساس الشعور “انا مش مهم…” “مش متذكرني…” “مش مشتاقتلي..” يشير هذا النوع من الخلاف إلى مشكلة أساسية في جذر العلاقة، إذ يجب تحديدها ومعالجتها قبل أن تنهار العلاقة بأكملها.

٢) النوع الثاني: نار- يتنازعون مراراً ويتصالحون سريعاً

تشتعل المشكلة في هذا النوع من النزاع من أي أمر كان، بسيط أو جدّي، وهكذا أيضا بنفس سرعة الاشتعال يتم اخماد النزاع! يتميز هذا النوع من العلاقات بالأشخاص الذين يحتاجون إلى علاقة صاخبة للحفاظ على نار حبهم مشتعلة. إذا لم يكن هناك شيء جديد، سيشعرون أن العلاقة قد تجمدت. تهدف هذه الخلافات للتغطية على الحقيقة أنه لا يوجد تفاهم وحل مشترك مقبول للطرفين. إذ لا يمكن بناء العلاقة على أساس العاطفة والشغف فقط بدون مقوّمات أخرى مثل القبول والاستماع والثقة والتقدير.

٣) النوع الثالث: تراب- يتنازعون قليلاً ويتصالحون بطيئاً

هؤلاء الأزواج بالكاد يتشاجرون. الخلاف بالنسبة لهم أزمة عابرة لا يجوز التوقف عندها للأبد. تتميز هذه العلاقة بأشخاص يتمتعون بتواصل صحي. يتغلبون على الخلافات من خلال المحادثة. على الرغم من أسلوب التواصل الصحي، ولكن، إذا اندلع الشجار فهذا يشير إلى قضية عميقة متجذرة في المخاوف حول “مكانتهم” في العلاقة الزوجية. ويكمن النزاع في عدم القدرة على التعبير عن المشاعر، إذ هناك حاجة للتنفيس ولتفريغ المشاعر السلبية والتي ممكن أن تظهر بسلوك “عدواني-سلبي”.

٤) النوع الرابع: هواء- يتنازعون قليلاً يتصالحون سريعاً

الزوجين في العنصر الهوائي بالكاد يتنازعون، وإذا حصل الخلاف يتوصلون للصلح سريعاً جداً. قلّما نجد أزواجا من هذا العنصر. فتقترب العلاقة بين هذين الزوجين الى الكمال. لكل منا أعباء عاطفية، وفي بعض الأحيان يفضل وضع الخلافات على الطاولة ومناقشتها معاً.

ماذا يحصل لنا وقت النزاع؟ 

الكثير منا يستوعب الصراع والنزاع على أنه حالة من حالات التهديد المباشر، فيولد فينا أربع استجابات وردود فعل تلقائية- اندفاعية غير مراقبة فكرياً وتعرف بحالات ال F.F.F.F: 

  • هجوم- Fight: فيها نكون مستعدين للقتال والهجوم بطرق مختلفة، عنف كلامي أو جسدي، أو ضرب، أو صراخ وتهديد. 

  • هروب- Flight: فيها نبحث عن أي طريقة للخروج من موقف فنهرب من خلال النوم، أو  إفراط في الأكل، أو العمل لساعات طويلة، أو الخروج من البيت.

  • تجمد- Freeze: فيها ينعدم رد الفعل ونكون في حالة من التغييب. 

  • مسايرة- Fawn: ردود فعلنا تكون مسايرة لتفادي تصعيد النزاع والصراع، فنقوم بعمل ما يطلبه ويتوقعه الطرف الآخر على مضض، بالإكراه. 

تُعتبر هذه الطرق غير مُجدية لعلاقات سوية، فماذا يمكننا أن نفعل أمام نزاعاتنا وصراعاتنا الزوجية؟ 

١) الاعتراف بوجود مشكلة– الهروب من الحقيقة لا يغيرها، والتقليل من أهمية المشكلة لا يلغيها. لهذا علينا ان نستفيق ونعترف بمشكلاتنا. مَهَمة زوجية في غاية الأهمية أن نضع زواجنا في رأس أولوياتنا. “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا..” (يعقوب 5: 16).

٢) الوقت ليس كفيلاً في حل المشكلة– تراكم المشكلات دون حلها إنما يزيد الوضع تعقيداً, فالنصيحة الأفضل هي “لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ” (أفسس 4: 26) اجتهدوا للتعرف على مشاعركم، وأفكاركم، وردود فعلكم، وحاجاتكم، ونقاط القوة والضعف لديكم. لا تخافوا من أنفسكم، بل سارعوا للخروج من دور الضحية، واسعوا لاكتساب استنتاجات ودروس من الحياة لمساعدة أنفسكم على النضوج.

٣)  ترديد الشكوى مرة تلو الاخرى لا تغير أحد- ملامة الآخر وتوجيه أصابع الاتهام لا تغير من عاداتنا ولا تطور من قدراتنا وإنما تجعل كل منا يختبئ في حصن نفسه بهدف الدفاع. لهذا  علينا الاعتراف أن لزوجي/ لزوجتي ايضاً أفكار ومشاعر، احتياجات وجروح شخصية. فدعونا لا نتأخر في حمل بعضنا البعض “اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ..” (غلاطية 6: 2).

٤) التوجه للمشورة- وجود طرف ثالث مهني يمكنه الإرشاد والتوجيه، وإعطاء النصائح والخطوات العملية محبذ وضروري جداً. 

إن عملية توسيع مستوى وعينا لأنفسنا ولشريك/ ة حياتنا وزواجنا والتحديات التي نمر بها ضرورية جداً، ليس هناك أفضل من أن يتمتع الإنسان  بحياة زوجية كما قصدها الله لنا، بحيث تكون مفرحة ومثمرة وحميمة.